إخوان الصفاء
211
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
ليست لذّة ولا نعيم ولا فرح ولا سرور غير هذه المحسوسات التي يشاهدونها ، وان الذي أخبرت به الأنبياء ، عليهم السلام ، من نعيم الجنّات ولذّات أهلها باطل ؛ والذي أخبرت به الحكماء من سرور عالم الأرواح وفضله وشرفه كذب وزور ليست له حقيقة ، فيقعون في شكوك وحيرة . واعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، انك ان لم تؤمن للأنبياء ، عليهم السلام ، بما أخبروك عنه من نعيم الجنان ولذّات أهلها ، ولم تصدّق الحكماء بما عرّفوك من سرور عالم الأرواح ، ورضيت بما تخيّل لك الأوهام الكاذبة والظنون الفاسدة ، بقيت متحيّرا شاكّا ضالّا مضلّا . واعلم يا أخي ، أيّدك اللّه وإيانا بروح منه ، بأن غرض الأنبياء ، عليهم السّلام ، في وضعهم النواميس والشرائع ، وغرض الحكماء في وضع السّياسات ليس هو إصلاح أمور الدنيا فحسب ، بل غرضهم جميعا في ذلك إصلاح الدّين والدّنيا جميعا . فأما غرضهم الأقصى فهو نجاة النفوس من محن الدّنيا وشقاوة أهلها ، وإيصالها إلى سعادة الآخرة ونعيم أهلها . ونرجع الآن إلى ما كنّا فيه فنقول : إنه إذا وصلت معاني النّغمات والألحان إلى أفكار النفوس ، بطريق السّمع ، وتصوّرت فيها رسوم تلك المعاني التي كانت مستودعة في تلك الألحان والنغمات ، استغنى عن وجودها في الهواء كما يستغنى عن المكتوب في الألواح إذا فهم وحفظ ما كان فيها مكتوبا من المعاني ، وهكذا يكون حكم النفوس الجزئية إذا ما هي تمّت وكملت ، وبلغت إلى أقصى مدى غاياتها مع هذه الأجسام ، فعند ذلك هدمت أجسامها إمّا بموت طبيعيّ أو عرضيّ ، أو بقربان في سبيل اللّه تعالى ، واستخرجت تلك النفوس من الأجسام كما يستخرج الدّرّ من الصّدف ، والجنين من الرّحم ، والحبّ من الأكمام ، والثمرة من القشرة ، واستؤنف بها أمر آخر ، كما يستأنف بالدّرّ أمر آخر إذا رمي بالصّدف وحصل الدّرّ ، وهكذا حكم الثمار والحبّ إذا أدركت ونضجت ،